الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
248
نفحات الولاية
ثم قال عليه السلام : « فوالذي فلق « 1 » الحبة وبرأ « 2 » النسمة « 3 » إن الذي أنبئكم به عن النبي الامّي « 4 » صلى الله عليه وآله ، ما كذب المبلغ ، ولا جهل السامع » والعبارة التي صدرت بالقسم لمن ابداعات أمير المؤمنين عليه السلام التي ذكرت لمرات في خطب نهج البلاغة ، حيث يشير إلى نقطة مهمّة وهى أنّ أهم وأعقد مسألة في نظام عالم الوجود هي مسألة الحياة ؛ سواء في عالم النباتات أوفي عالم البشرية ، ورغم الجهود المضنية التي بذلها الإنسان في هذا المجال ، ما زالت هنالك الأسرار التي تختزنها هذه الحياة لم تكتشف بعد . وبناءاً على هذا فانّ الحياة رائعة الخلق وهو الشيء الذي يربطنا تأمله باللَّه ويدل على أن هذه الظاهرة العجيبة ليست بالشيء الذي انبثق دون علم الله وقدرته ، فالاستفادة من هذه الأوصاف حين القسم تجسد مفهوما بارزاً في الأذهان . على كل حال فانّ هدف الإمام عليه السلام طمأنة مخاطبيه إلى أنّ ما يقوله بشأن الحوادث المستقبلية لا يستند إلى الحدس والتخمين ، ولا من قبيل نبوءات الكهنة ، بل هو واقع وحق سمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله وليس الإمام عليه السلام من يخطئ في إدراك كلام النبي صلى الله عليه وآله . وعليه فما يقوله هو عين الحقيقة والصواب ، واطلاعهم على هذه الأحداث من سبيله الحد من أخطارها . فقد ورد في الخبر حين نزلت الآية الشريفة : « وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ » « 5 » . قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام : « سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي ! قال عليه السلام فما نسيت شيئاً بعد ذلك » « 6 » .
--> ( 1 ) « الخلق » : وتأتي أحيانا بمعنى الإبداع والإيجاد والتقدير ، وأحيانا بمعنى الابتعاد والبراءة من الشيء . وفيهذه الخطبة جاءت هذه الكلمة بالمعنى الأول . ( 2 ) « برأ » من مادة « برء » على وزن ظلم وتعني الصحة وحسن الحال ، أي خروج الشخص من حالته الأولى ، والتي كان فيها مريضاً إلى حالة جيدة وحسنة . ( 3 ) « نسمة » تعني في الأصل هبوب الرياح المعتدلة ، كما تأتي بمعنى التنفس ، ومن هنا تطلق على الإنسان . ( 4 ) التعبير بالأمي يطلق على الشخص الذي لا يعرف القراءة والكتابة ، أو على الشخص الذي ينسب إلى الأم ، وهو الذي تعلم في أحضان أمه ولم يتعلم من غيرها . وهنا نود ان نشير إشارة لطيفة في هذا المورد ، وهي أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان امياً ، ولكنه أخبر عن الماضي والمستقبل ، وهذه من علامات ارتباطه بالله سبحانه وتعالى . ( 5 ) سورة الحاقة / 12 . ( 6 ) كفاية الطالب للكنجي / 40 وردى مثل هذا المعنى أغلب مفسري العامة كالقرطبي في تفسير جامع الأحكام والبرسوي في روح البيان والآلوسي في روح المعاني ، ذيل الآية 12 من سورة الحاقة .